وهبة الزحيلي

72

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المستقبل ، أم يخلقه اللّه ابتداء ؟ وهي الآن ليست ذات زوج ، ولم تكن في أي وقت زانية ، وذكرت هذا تأكيدا ؛ لأن قولها : لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يشمل الحلال والحرام . فأجابها جبريل : هذا أمر قدره اللّه وقضى به من الأزل ، فهو في سابق علمه الأزلي القديم ، وهو أمر هيّن يسير على قدرة اللّه ، فهو القادر على كل شيء ، وقد خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب ، ليكون ذلك دليلا وعلامة على قدرته العجيبة في تنوع الخلق والإبداع ، ويكون عيسى بنبوته رحمة لمن آمن به ، وكان أمرا مقدرا في اللوح مسطورا . فاستسلمت مريم لقضاء اللّه وقدره ، واعتزلت بالحمل إلى مكان بعيد ، حياء من قومها ، وبعدا عن اتهامها بالريبة وتعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج . قال ابن عباس : إلى أقصى الوادي ، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال . وقال ابن عباس أيضا : ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال . قال القرطبي : وهذا هو الظاهر ؛ لأن اللّه تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل « 1 » . وقال آخرون : كان الحمل بحسب المعتاد بين النساء ؛ لأن تعقيب كل شيء بحسبه ، كقوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً . . [ المؤمنون 23 / 12 - 14 ] . وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوما ، وقال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج 22 / 63 ] قال ابن كثير : فالمشهور الظاهر - واللّه على كل شيء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 11 / 92 - 93 . ( 2 ) تفسير ابن كثير : 3 / 116 .